الشيخ أحْمَد ديدَات في سُطُور .

عُرف عن الشيخ أحمد ديدات شجاعته وجرأته في الدفاع عن الإسلام ، والرد على الأباطيل والشبهات التي كان يثيرها أعداء الإسلام من نصارى حول النبي - صلى الله عليه وسلم - وتوافق ذلك مع حصوله على كتاب ( إظهار الحق ) ، وهو الذي فتح آفاق أحمد ديدات للردّ على شبهات النصارى ، وبداية منهج حواري مع أهل الكتاب ، وتأصيله تأصيلاً شرعياً يوافق المنهج القرآني في دعوة أهل الكتاب إلى الحوار وطلب البرهان والحجة من كتبهم المحرّفة .

وُلد الشيخ الفقيد أحمد حسين ديدات في مدينة سيرات بالهند عام 1918 وقد هاجر والده إلى دولة جنوب إفريقية بعد وقت قصير من ولادته ، وعندما بلغ الصغير تسع سنوات ماتت والدته فلحق بأبيه إلى جنوب إفريقية حيث عاش هناك بقية عمره .

  • في مواجهة الحياة .

واجه الحياة مبكراً ؛ فبعد أن تأخر في دراسته حتى سن العاشرة من عمره حتى أكمل الصف السادس ، إلا أن الظروف المادية الصعبة أعاقت استكماله لدراسته فعمل في عام 1934م بائعاً في دكان لبيع المواد الغذائية .

ثم سائقاً في مصنع أثاث ، ثم شغل وظيفة ( كاتب ) في المصنع نفسه ، وتدرّج في المناصب حتى أصبح مديراً للمصنع بعد ذلك .

وفي أواخر الأربعينيّات التحق الشيخ أحمد ديدات بدورات تدريبية للمبتدئين في صيانة الراديو ، وأُسس الهندسة الكهربائية ومواضيع فنية أخرى .

ولما تمكّن من توفير قدر من المال رحل إلى باكستان عام 1949 م ، وقد مكث فـي باكستان فترة منكبّاً على تنظيم معمل للنسيج .

  • مشوار التأليف .

في بداية الخمسينيّات أصدر كتيّبه الأول : " ماذا يقول الكتاب المقدس عن محمد صلى الله عليه وسلم ؟ " ، ثم نشـر بعد ذلك أحد أبـرز كتيّباته " هل الكتاب المقدس كلام الله ؟ " .

ثم تتابعت مؤلفات الشيخ أحمد ديدات لتصل إلى أكثر من عشرين كتاباً إسلامياً ، ومن أشهرها :

·         ماذا يقول الكتاب المقدس عن محمد صلى الله عليه وسلم ؟

·         هل الكتاب المقدس كلام الله ؟

·         وكتاب الاختيار  The Choiceوهو مجلد متعدد الأجزاء.

·         هل الإنجيل كلمة الله ؟

·         القرآن .. معجزة المعجزات.

·         المسيح في الإسلام.

·         العرب وإسرائيل شِقَاق أم رفَاق ؟

·         مسألة صلب المسيح بين الحقيقة والافتراء.

·         من حرّك الحجر ؟

·         الإله الذي لم يكن .

  • أول مناظراته .

ومن جنوب أفريقيا خرج ديدات إلى العالم في أول مناظرة عالمية عام 1977 بقاعة ألبرت هول في لندن .. وناظر ديدات كبار رجال الدين النصراني أمثال : كلارك – جيمي سواجارت – أنيس شروش ، وغيرهم .

وأحدثت مناظراته دوياً في الغرب لا تزال أصداؤه تتردّد فيه حتى يومنا هذا . فحديثه عن تناقضات الأناجيل الأربعة دفع الكنيسة ومراكز الدراسات التابعة لها والعديد من الجامعات في الغرب لتخصيص قسم خاص من مكتباتها لمناظرات ديدات وكتبه ، وإخضاعها للبحث والدراسة سعياً لإبطال مفعولها ، وسعياً لمنعها وعدم انتشارها .

  • موقف أول الطريق .

منذ سن الـسادسة عشرة عمل في أعمال مختلفة ، في محل للبقالة ، وكان أبرزها عام 1936 حيث عمل في دكان يمتلكه أحد المسلمين ، ويقع في منطقة نائية في ساحل جنوب إقليم ناتال بجانب إرسالية مسيحية كان طلبة الإرسالية يأتون إلى الدكان الذي يعمل به ديدات ، وكان جميع العاملين به من المسلمين . مضى هؤلاء الطلاب يكيلون الإهانات لديدات وصحبه عبر الإساءة للدين الإسلامي ، وعن هذا يقول الشيخ ديدات :
كانوا يأتون إلينا ليقولوا :هل تعلمون شيئًا عن عدد زوجات محمد ؟ ألا تدرون أنه نسخ القرآن وأخذه من كتب اليهود والنصارى ؟ هل تعلمون أنه ليس نبيًّا ؟ ويستمر الشيخ قائلاً : لم أكن أعلم شيئًا عما يقولون . كل ما كنت أعلمه أنني مسلم اسمي أحمد ، أصلي كما رأيت أبي يصلي ، وأصوم كما كان يفعل ، ولا آكل لحم الخنزير ، أو أشرب الخمور ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله.
ويضيف ديدات كانت الشهادة بالنسبة لي مثل الجملة السحرية التي أعلم أنني إن نطقت بها نجوت .

ولم أكن أدرك غير ذلك ، ولكن نهمي الطبيعي وحبي للقراءة وضع يدي على بداية الطريق ، فلم أكن أكتفي بالجرائد التي كنت أقرؤها بالكامل ، وأظل أفتش في الأكوام بحثًا عن المزيد مثل المجلات أو الدوريات ، وذات مرة وأثناء هذا البحث عثرت على كتاب كان عنوانه بالحروف اللاتينية Izharulhaq ) إظهار الحق ) ، وقلّبته لأجد العنوان بالإنجليزية ( Truth Revealed ) جلست على الأرض لأقرأ فوجدته كُتب خصيصًا للرد على اتهامات وافتراءات المنصِّرين في الهند ، وكان الاحتلال هناك قد وجد في المسلمين خطورة ؛ فكان من بين الحلول محاولات تنصيرهم لتستقر في أذهانهم عقيدة ( من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر ) فلا يُواجه بمقاومة أكبر من المسلمين ، وبذلك تعرّض المسلمون هناك لحملات منظمة للتنصير ، وكان الكتاب يشرح تكنيك وأساليب وخبرات توضح طريقة البداية ، وطرح السؤال وأساليب الإجابة لدى نقاش هؤلاء المنصّرين ؛ بما جعل المسلمين في الهند ينجحون في قلب الطاولة ضدهم ، وبالأخص عن طريق فكرة عقد المناظرات .

  • من أعماله في مجال الدعوة .

مع حماسه الكبير في هذا المجال الدعوي استمر ديدات في العديد من الأنشطة ، فعقد دورات متخصصة في دراسة الإنجيل ، وانطلق لينشئ مؤسسة السلام لتدريب الدعاة ، واستطاع أحمد ديدات وأسرته أن يقيموا منشآت المؤسسة التي ضمّت المسجد الذي يُعَدّ علامة إلى اليوم.

أما المركز العالمي للدعوة الإسلامية فهو العضو المؤسس له ، وقد ترأسه لسنوات عديدة فاز أثناءها بجائزة الملك فيصل لعام 1986 ، وعن طريقه نشر الشيخ كتبه ، وأنتج شرائطه ، ويوزع المركز ملايين النسخ المجانية وخاصة من الترجمة الإنجليزية لمعاني القرآن الكريم الذي حرص على توزيعها على المسلمين وغيرهم في أنحاء العالم ، كما يقوم المركز بعدد من الأنشطة ، من بينها إعداد دورات للدعاة ، ودعوة غير المسلمين عن طريق السياحة والجولات بين المساجد ، والتعريف بالإسلام .

كما يحرص المركز على ترجمة معاني القرآن والكتب الإسلامية باللغات المحلية في جنوب أفريقيا مثل ( الزولو ( Zulu وغيرها .

والمركز يستعد الآن لإنشاء متحف وأرشيف خاص بالشيخ ديدات في الطابق الذي كان يحتله مكتبه ، وهو يعلن عن ذلك للجميع حتى يمكن جمع محاضرات ولقاءات وكتب الشيخ ديدات .

والمركز عادة ما يلجأ للإعلان بشكل جذَّاب ولافت عما يقوم به ، وهي طريقة ربما لا نعهدها في بلانا العربية ، ولكنها مسوّغة في مجتمع متغرب( Westernized )  يمثل المسلمون فيه أقلية تحاول التأثير ، فعلى سبيل المثال قد تقرأ وأنت تمر بالسيارة في وسط المدينة إعلانًا مثل : القرآن يتكلم ، اقرؤا القرآن ، العهد الأخير .

وتأتي قصة كتاب ديدات " العرب وإسرائيل .. صراع أم وفاق ؟ " لتلقي بعض الضوء على طبيعة التحديات في مجتمع جنوب أفريقيا ووعي ديدات بذلك .

فيقول إقبال جازت ( Iqbal Jassat ) في مقاله أغسطس 1999م عن الشيخ : كان نشره لكتاب " العرب وإسرائيل .. صراع أم وفاق ؟ " موضوعًا لنقاش بينه وبين مسؤول كبير بالسفارة الإسرائيلية في وقت زادت فيه الوحشية الإسرائيلية باجتياح لبنان عام 1982م ، وكانت تتعلق بصورة لأم فلسطينية تحاول انتزاع ابنها من أيدي القوات الإسرائيلية ، كان الشيخ قد أعلن عن مسابقة بدعوة القرّاء لكتابة تعليق على الصورة ، وكان يحاول أن ينشر إعلانات عن تلك المسابقة في كل الجرائد الرسمية بالبلاد ، وقد رفضت أغلب الجرائد وقتها إعلانه مدفوع الأجر بازدراء ، وقد علَّق ديدات وقتها بأسلوبه المميز عن حرية الصحافة والإعلام ، ووصفها بأنها جوفاء وانتقائية .

  • صلابته أمام المرض ، ورحيله عن الدنيا .

في عام 1996 أُصيب ديدات بالشلل التام ، ومن حينها ظل طريح الفراش ، ماعدا دماغه ، وكان عائداً من رحلة دعوية في أستراليا .

فأصبح يرد على الرسائل والاستفسارات التي تأتيه بالإشارة ، ويصل عددها في المتوسط إلى ( 500 ) رسالة يومية سواء بالهاتف ، أو الفاكس أو عبر الإنترنت والبريد .

واستطاع الشيخ الراحل التواصل مع أسرته وضيوفه بواسطة لغة خاصة تشبه النظام الحاسوبي ؛ فكان يحرك جفونه سريعاً وفقا لجدول أبجدي يختار منه الحروف ، ويكوّن بها الكلمات ، ومن ثَم يكوّن الجمل .

وقد اهتمت به زوجته ( حواء ) التي كان يلقبها بأم الأمهات اهتماماً عظيماً حتى توفاه الله - سبحانه وتعالى - فوافته المنية يوم الاثنين 8-8-2005 .

وقد لاقى الشيخ ديدات ربه عن عمر يناهز ( 87 ) عاماً بمنزله في منطقة فيرولام بإقليم كوازولو ناتال بجنوب إفريقية بعد صراع طويل مع المرض ، بعد أن أقام الحجة على النصارى ، وجاهد في سبيل الدعوة إلى الإسلام بالحكمة والموعظة مرسلاً رسالة سامية إلى كل شعوب الدنيا يخبرهم فيها بأن الإسلام هو دين العقل والمنطق ، وهو دين المحبة والسلام .

 

الحقوق متاحة لجميع المسلمين
موقع فخور كوني مسلم