|
ليس هناك دليل يُنهض به ليبرهن أن كاتب إنجيل متى
هو القديس متى تلميذ المسيح عليه السلام
.
والقارىء لما جاء في هذا الانجيل لا يجد أي ذكر
لأسم الكاتب .
وقد جاء في الاصحاح 9 : 9 ما نصه :
”
وفيما يسوع مجتاز من هناك رأى إنساناً جالساً عند
مكان الجباية اسمه متى ، فقال له قم واتبعني ،
فقام وتبعه
“
.
-
وكما نرى أن الكلام عن متى جاء بصيغة الغائب
مما يبرهن أن الكاتب هو شخص غير متى !
فإن قيل : إن هذا أسلوب يسمى الإلتفات ، وهو أن
يتكلم الكاتب بصيغة الغائب ، قلنا : الالتفات هو
الانتقال من صيغة الغائب إلى صيغة المتكلم ، أو من
صيغة الغائب إلى صيغة المخاطب ، والكاتب هنا لم
يتكلم عن نفسه أبداً بصيغة المتكلم ولا مرة واحدة
، فعجباً لهذا الأسلوب الذي لا يتكلم الكاتب فيه
ولا مرة واحدة عن نفسه بصيغة المتكلم .
وجديراً بالذكر ان مرقس ولوقا ذكرا أنّ العشار
الذي رآه المسيح جالساً اسمه لاوي بن حلفي ولم
يذكرا أن اسمه متى ، ويذهب النصارى إلى أنهما شخص
واحد ، ولكن هذا القول لا يوجد له أدنى دليل .
يقول قاموس الكتاب المقدس : ( ويرّجح أن مؤلف هذا
الانجيل هو متى نفسه ) .
وكما نرى أن القاموس يقول ( يُرجَّح ) بضم الياء
وتشديد المعجمة ، أي أن نسبة الانجيل لمتى ليست
قطعية بل هي ظنيّة ، فربما يكون متى كتبه وربما
يكون شخص آخر ، فالعقيدة لا يمكن أن تبنى على
التأرجح بين الآراء بل على اليقين الثابت القطعي .
ثم بعد ذلك يسوق القاموس الأسباب التي دعت للترجيح
، وهي واهية جداً ولا يستسيغها العقل أبداً فيقول
:
-
-
يذكر لوقا ان لاوي (متى) صنع للسيد المسيح
وليمة " كبيرة " في اول عهده بالتلمذة (
لو 5: 29 - 32
) أما هو (متى ) فيذكرها بكل اختصاراً
تواضعاً ( متى
9: 10 - 13 )
.
-
- الشواهد والبينات
الواضحة من نهج الكتابة بأن المؤلف يهودي
متنصر .
-
- لا يعقل أن
انجيلاً خطيراً كهذا هو في مقدمة الاناجيل
ينسب إلى شخص مجهول وبالاحرى لأن ينسب إلى احد
تلاميذ المسيح .
-
- ويذكر بابياس في
القرن الثاني الميلادي ان متى قد جمع اقوال
المسيح .
-
- من المسلم به أن
الجابي عادة يحتفظ بالسجلات لأن هذا من اتم
واجباته لتقديم الحسابات وكذلك فإن هذا
الإنجيلي قد احتفظ بأقوال المسيح بكل دقة...
أهـــ .
ونحن إن شاء الله نجيب عنها فنقول وبالله تعالى
نتأيد :
الجواب عن الأول :
من الغريب جداً أن يعتبر ذكر الوليمة باختصار
دليلاً على أن الكاتب متى ، فياليت شعري لو قال
لهم قائل بل ذكر الوليمة باختصار دليل على أن
الكاتب ليس متى فهل بينهم وبينه فرق
؟
تخيلوا لو كانت الوليمة المذكورة في إنجيل متى لم
تكن مذكورة باختصار بل ذكرت بتفصيل أكثر ، فهل
تراهم سيعجزون عن جعلها دليلاً
؟
لا ، لن يعجزوا ، بل لو كانت مذكورة بتفصيل أكثر
لجعلوها دليلاً وحجة دامغة على أنّ متى هو الكاتب
، ولتحجّجوا بأنّ متى أدرى وأعرف بوليمته التي
قدّمها ، لذلك استطاع أن يصفها بتفصيل أكثر .
فكما ترون ، إحتجاج يصلح لجميع الحالات ، الشيء
ونقيضه ، فلا أدري كيف يستدلون على عقائد خطيرة
بهذه السذاجة !
الجواب عن الثاني :
ما علاقة الشواهد والبينات التي تدل على أن الكاتب
يهودي متنصر
؟
هل لا يوجد يهودي متنصر في هذه الدنيا إلا متى
؟
اليهود الذين تنصروا كثر جداً ، ولا معنى لحصره في
متى .
الجواب عن الثالث :
وهل إذا وضع سفر في نهاية الأناجيل يعني أنه من
المعقول أن ينسب إلى كاتب مجهول
؟
إذن صار إنجيل يوحنا مجهولاً !
وهل هكذا يستدل على كاتب السفر بطرح سؤال " لا
يعقل "
؟
وماذا لو قلنا لهم بل يُعقل - وهو الصحيح الراجح -
فماذا يكون جوابهم ؟ ، ألأنه ذكر الوليمة باختصار
؟
الجواب عن الرابع :
شهادة بابياس مرفوضة من عدة وجوه :
أ - يقول بابياس أن متى جمع الأقوال ( والتي تنسب
للمسيح ) ، ولم يقل أنه كتب إنجيلاً يحكي قصة
المسيح ، فبين العبارتين فرق .
ب - لا دليل أن هذه الأقوال التي جمعها متى هي
نفسها إنجيل متى ، فما المقصود بهذه الأقوال لا
يمكن تحديده ، وعلى المدّعي خلاف ذلك تقديم الأدلة
.
ج - بابياس يقول أن إنجيل متى وُضع بالعبرية ، فلو
سلمنا بقول بابياس للزم منه أن الذي بأيدينا اليوم
من النسخ اليونانية هي ترجمة إنجيل متى من العبرية
، ولا ندري من هو المترجم ، فنكون عدنا بذلك إلى
نقطة الصفر ، ويبقى إنجيل متى على ذمة المترجم ،
ولا نعلم من هو هذا المترجم ، وبذلك نفقد الثقة به
نهائياً .
د - لم يقل بابياس أنه سمع متّى يقول عنه نفسه أنه
هو كاتب الإنجيل ، وليس عندنا إلا دعوى بابياس
التي تفتقر إلى دليل .
ومتى مات في القرن الأول ، و بابياس من علماء
القرن الثاني ومولود في القرن الأول ولا يوجد
تحديد لزمن ولادته ، ولا يوجد دليل أو أدنى ما
يُشير إلى أنّ بابياس رأى متى أو سمع منه ، بل
ربما لم يولد بابياس إلا بعد موت متَّى ، فلا ندري
كيف عرف بابياس هذا عن متى .
هـ - كذلك شهادة بابياس نقلها عنه المؤرخ يوسيبيوس
، وطبعاً الزمن منقطع بين يوسيبيوس وبابياس ،
فالأول توفي في القرن الثاني والأخير توفي في
منتصف القرن الرابع .
و - كذلك بابياس شهادته مجروحة ، فلقد وصفه المؤرخ
يوسيبيوس بأنّ فهمه محدود ( تاريخ الكنيسة ، جزء 3
، فصل 39 ) .
فمن كانت عدالته مجروحة فكيف يُقبل منه شهادة كهذه
؟
ز - هناك دليل أن بابياس لا يعرف إنجيل متّى الذي
بين أيدينا ، والدليل على ذلك روايته لموت يهوذا
الاسخريوطي التي تغاير وتناقض إنجيل متّى بشكل
صريح ، فمتّى يصف موت يهوذا ( فطرح الفضة في
الهيكل وانصرف.ثم مضى وخنق نفسه ) متى 27 : 5 .
بينما بابياس يقول :
Judas walked about in this world a sad example
of impiety; for his body having swollen to such
an extent that he could not pass where a chariot
could pass easily, he was crushed by the
chariot, so that his bowels gushed out.
ولقد أصبح يهوذا مثالاً سيئاً على عدم التقوى في
هذا العالم ؛ فلقد
تضخّم جسده حتى أنّه لم يكن بمقدوره المرور حيث
يمكن أن تمرّ عربة حنطور بسهولة , ولقد دُهس بعربة
حنطور حتّى انسكبت أحشاؤه خارجاً .
( Fragments of Papias - chapter 3 )
الجواب عن الخامس :
الجابي عادة يحتفظ بالسجلات ، فإذن إنجيل متى كتبه
متى ، هل هذا هو ما يريدوا قوله
؟
في الحقيقة أن دليلهم الخامس لا يدل لا من قريب
ولا من بعيد على كاتب السفر ، لو أن هذا يعتبر
دليلاً لما بقيت دعوى في الدنيا دون دليل .
فكما ترى عزيزي القارىء
أن هذه الأدلة واهية جداً ، ولا يمكن أن يستدل على
كتاب إلهي بهذه السذاجة .
فهل من المعقول أن ينسب كتاب إلى الله وكاتبه في
الأصل مجهول لا يُعرف
؟
هذا وقد حاول القس منيس عبد النور أن يثبت السند
المتصل لكاتب إنجيل متّى ، فجاءت محاولته هزيلة
بائسة ، وسوف أقوم بالرد عليها حتى لا يغتر بها من
لا علم له في هذا الشأن .
الرد على القس منيس عبد النور حول السند المتصل
لإنجيل متّى .
ننقل أولاً كلام القس منيس عبد النور في شبهات
وهمية :
قال المعترض الغير مؤمن: لا يوجد سندٌ متَّصل
لإنجيل متى .
وللرد نقول بنعمة الله : أشار برنابا
”
الذي كان رفيقاً لبولس
“
إلى إنجيل متى في رسالته سبع مرات
، واستشهد به أغناطيوس سنة 107م في رسائله
سبع مرات ، فذكر حبل
مريم العجيب ، وظهور
النجم الذي أعلن تجسُّد المسيح
. وكان إغناطيوس معاصراً للرسل
، وعاش بعد يوحنا الرسول نحو سبع سنين
، فشهادته من أقوى البيانات على صحّة إنجيل
متى . واستشهد
بوليكاربوس (تلميذ يوحنا الرسول) بهذا الإنجيل في
رسالته خمس مرات ، وكان
هذا الإنجيل منتشراً في زمن بابياس (أسقف
هيرابوليس) الذي شاهد يوحنا الرسول
. كما شهد كثير من العلماء النصاري الذين
نبغوا في القرن الأول بأن هذا الإنجيل هو إنجيل
متى ، واستشهدوا
بأقواله الإلهية ،
وسلَّمه السلف إلى الخلف.
وفي القرن الثاني ألّف تتيانوس كتاب اتفاق
الأناجيل الأربعة وتكلم عليه هيجسيبوس
، وهو من العلماء الذين نبغوا في سنة 173م
، وكتب تاريخاً عن الكنيسة ذكر فيه ما فعله
هيرودس حسب ما ورد في إنجيل متى
، وكثيراً ما استشهد به جستن الشهيد الذي
نبغ في سنة 140م ، وذكر
في مؤلفاته الآيات التي استشهد بها متى من نبوات
إشعياء وميخا وإرميا .
وقِسْ على ذلك مؤلفات إيريناوس وأثيناغورس
وثاوفيلس الأنطاكي وأكليمندس الإسكندري الذي نبغ
في سنة 164م وغيرهم .
وفي القرن الثالث تكلم عليه ترتليان وأمونيوس مؤلف
اتفاق البشيرين ويوليوس وأوريجانوس واستشهدوا
بأقواله وغيرهم.
وفي القرن الرابع اشتبه فستوس في نسبة هذا الإنجيل
بسبب القول :
”
وفيما يسوع مجتاز من هناك رأى إنساناً عند مكان
الجباية اسمه متى ، فقال له : اتبعني . فقام وتبعه
“
(متى 9: 9) . فقال فستوس : كان يجب أن يكون الكلام
بصيغة المتكلم ، ونسي
أن هذه الطريقة كانت جارية عند القدماء
. فموسى كان يتكلم عن نفسه بصيغة الغائب
، وكذا المسيح ورسله
، وزينوفون وقيصر ويوسيفوس في مؤلفاتهم
، ولم يشكّ أحدٌ في أن هذه الكتب هي كتبهم
. وفي القرن الرابع زاد هذا الانجيل
انتشاراً في أنحاء الدنيا . أنتهى .
في البداية نود إن نُنبه
إلى أن القس منيس عبد النور يستغل الجهل وعدم
المعرفة لدى الكثيرين ، ويزج ويحشر كل ما تصل إليه
يده حتى يُوهم الناس بأن ردّه متين .
وأصبح كتاب شبهات وهمية مصدراً وعوناً للنصارى
البسطاء الذين لا يعلمون مدى سذاجة حجج القس منيس
الواهية ، فتراهم أول ما يروا اعتراضا على الكتاب
المقدس يهرعوا إلى كتابه لطلب النجدة ، وينقلوا
منه ( قال اغناطيوس وقال اريناوس وقال فلان .... )
، وأغلبهم لا يعرف من هو هذا ولا من هو ذاك ولا
سمعوا عنهم في حياتهم .
الرد :
يبدأ القس منيس بقول المعترض ( لا يوجد سندٌ
متَّصل لإنجيل متى ) ، ثم يحاول القس أن يوهم أن
لإنجيل متى سنداً متصلاً ، والمصيبة كما قلنا أن
القس منيس يستغل الجهل وعدم المعرفة لدى الكثيرين
، فهو يعرف أنّ الأغلبية الساحقة من القرّاء
وخصوصاً النصارى لا يعرفون ما هو "السند المتصل" ،
فيستغل القس هذا الجهل ويبدأ بزجّ الأقوال
وتجميعها من هنا وهناك فيظن القارئ أن القس منيس
قد أجاب وأثبت السند المتصل ..
لذلك نرى أنه لزاماً علينا تعريف السند المتصل ،
ولن نعرفه بصيغة
إسلامية ، بل سنعرفه بشكل مبسّط يفهمه الجميع ، فنقول
:
السند المتصل لإنجيل متى هو مثلاً أن يخبر تلاميذ
متى - أو من لقي متى ورآه أو سمع منه - أنهم
شاهدوا متى يكتب إنجيله أو أنه هو أخبرهم بذلك ،
ثم يقوم تلاميذه بنقل هذه المعلومة إلى تلاميذهم
أو من هم دونهم ، ويجب على الأخيرين أن يصرحوا بكل
وضوح وبكلام لا لبس فيه ، أنهم سمعوا من معلميهم (
الذين هم تلاميذ متّى ) أن القديس متّى هو كاتب
هذا الإنجيل ، ثم يخبر هؤلاء من هم بعدهم وهكذا .
فهل ما قدّمه القس منيس يتوافق مع ما قلناه
؟
فهل أتى لنا القس بشخص واحد على الأقل يقول إنَّه
رأى متّى يكتب إنجيله
؟
هل أتى بشخص واحد يقول أنّ متّى الرسول أخبره أنه
كتب إنجيلاً
؟
لا لم يأت بشيء من هذا القبيل ، فكل ما فعله القس
هو أن قال إنَّ برنابا وإغناطيوس إستشهدوا بإنجيل
متى .
وعلينا أن نوضح نقطة مهمة هنا ، وهي أنّ القارئ قد
يغترّ بقول القس فيظنّ أنّ إغناطيوس يأتي إلى
إنجيل متى ويقتبس منه ثمّ يقول ( هذا ما قاله
إنجيل متَّى ) ، أو ( هذا ما قاله معلمنا متَّى في
إنجيله ) ، وهذا لا وجود له أبداً ، لا في رسالة
برنابا ولا في رسائل إغناطيوس ، فهما لم يذكرا
إنجيل متَّى بالاسم قط ، بل لا وجود لاسم متَّى من
الأصل في كل من رسالة برنابا ورسائل إغناطيوس ،
وجلّ ما في الأمر هنا هو ورود عبارات في رسائلهم
شبيهة لنصوص في إنجيل متَّى دون أن يقول أحد منهما
إنّ هذا مما اقتبسه من إنجيل متَّى .
فكلام القس منيس أن إغناطيوس و برنابا استشهدا
بإنجيل متَّى يُوهم أنهما ذكرا إنجيل متى بالاسم ،
وهذا تضليل واضح من القس ، ولا يُستبعد أبداً أنّه
تعمّد ذلك ليوهم القرّاء .
فالآن ، أين السند المتصل كما شرحناه آنفاً
؟
هل نقل لنا القس قولاً عن أحد الذي لقوا متَّى
بأنَّهم رأوا متى يكتب إنجيله أو أنَّ متَّى
أخبرهم أنه كتب هذاالإنجيل
؟
فإغناطيوس لم يذكر اسم متَّى ولا حتى إنجيله ،
فكيف تُحشر رسائله كدليل على السند المتصل
؟
ثم إنّ إغناطيوس لا يُعرف عنه أنَّه لقي متَّى أو
عرفه ، فلذلك الاستشهاد به باطل من كل الجوانب .
أما بالنسبة لوجود عبارات في هذه الرسائل مشابهة
لنصوص في إنجيل متى مثل ما جاء في رسالة برنابا ،
الفصل الرابع :
”
كثيرون يدعون وقليلون ينتخبون
“
., وكما جاء في الفصل
السادس
”
سأجعل الآخرين أولين
“
.
فهذا يُشبه ما ورد في متى [ 20 : 16 ] :
”
هكذا يكون الآخرون أولين والأولون آخرين .لان
كثيرين يدعون وقليلين ينتخبون
“
.
وكما جاء في الفصل الخامس من رسالة إغناطيوس إلى
أهل افسس
”
فإذا كان لأجل صلاة الواحد أو الاثنين ممن يملكون
القوة ، يقوم المسيح بينهم ، فكم أكثر بكثير تكون
صلاة أسقف الكنيسة المباركة
“
، وهذا يُشبه ما ورد في متى [ 18 : 19 ] ،
”
وأقول لكم أيضا إن اتفق اثنان منكم على الأرض في
أي شيء يطلبانه فانه يكون لهما من قبل أبي الذي في
السموات ، لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي
فهناك أكون في وسطهم
“
.
وللرد على هذا التشابه نقول وبالله تعالى التوفيق
:
إن وجود عبارات في مؤلفات الآباء الرسوليين بشكل
تشبه في مضمونها ما جاء في إنجيل متّى لا تعني أن
متّى هو كاتب الإنجيل ، فهذا يتطلب قولاً صريحاً
منهم أنهم رأوا متّى يكتبه أو أن يقولوا إنَّ متّى
أخبرهم بذلك ، أو على الأقل يخبروننا من أخبرهم
بذلك ..
ثمّ إنَّ تشابه هذه العبارات لا تعني بالضرورة
أنها مقتبسة من إنجيل متّى ، فيُحتمل أنّهم جميعاً
( الآباء وكاتب إنجيل متّى ) اقتبسوا من نفس
المصدر ، أو يُحتمل أنها مقتبسة من أقوال منتشرة
كانت تحكى وتتردد على ألسنة البعض في ذلك الزمان
..
فالجزم بأن هذا التشابه دليل على أنهم اقتبسوا من
إنجيل متَّى ليس في محله ، إذ لا يمنع أن يكون
المصدر غير متَّى ، وخصوصاً أنّ هناك العديد ممن
كتبوا عن المسيح كما يعترف بذلك كاتب إنجيل لوقا
في بداية إنجيله .
وبهذا نكون نحن قد جارينا القس منيس كثيراً ، ولنا
بعد ذلك أن نسأل من هو كاتب رسالة برنابا
؟
رسالة برنابا لا يُعرف لها كاتب ، تقول دائرة
المعارف الكاثوليكية إنَّ الرسالة لا تحتوي على أيّ
دليل حول كاتبها .
فرسالة برنابا لا يُعرف كاتبها ، وهو مجهول ، ولكن
القس يُوهم القرّاء أنه معروف وأنه برنابا الذي
رافق بولس ..
فالكاتب مجهول ، فكيف يُستدل على كاتب مجهول بكاتب
هو الآخر مجهول
؟
أما الكلام عن بوليكاربوس فيشبه الكلام عن
إغناطيوس ، فبوليكاربوس لم يذكر إنجيل متَّى
بالاسم قط ، ولم يذكر متَّى على الإطلاق ، بل إنَّ
القس يحاول التدليس على القرّاء قدر المستطاع ،
فكل ما ورد في رسالة بوليكاربوس من عبارات شبيهة
بنصوص من إنجيل متَّى لها شبيه أيضاً من إنجيل
لوقا ومرقس ، وسأضرب بعض الأمثلة على ذلك :
ورد في رسالة بوليكاربوس الفصل السابع (
كما قال السيد : الروح نشيط والجسد ضعيف ) .
فهذه يراها علماء النصارى تشبه ما ورد في إنجيل
متى ( 26 : 41 ):
”
اسهروا وصلّوا لئلا تدخلوا في تجربة .أما الروح
فنشيط وأما الجسد فضعيف
“
ولكن هذه تشبه أيضاً ما ورد في إنجيل مرقس ( 14 :
38 ) :
”
اسهروا وصلّوا لئلا تدخلوا في تجربة أما الروح
فنشيط وأما الجسد فضعيف
“
.
وهكذا حال الباقي ، كلّ له شبيه إما في إنجيل لوقا
أو في أو إنجيل مرقس ، فإذا عرفنا هذا ، فلا يمكن
الجزم أنّ بولكاربوس استشهد من إنجيل متى ، بل
هناك احتمال أنه اقتبسها من إنجيلي لوقا ومرقس
وليس من متى ، أو يُحتمل أنه لم يقتبسها لا من هذا
ولا من ذاك بل من أقوال منتشرة معروفة يتناقلها
الناس ، ومع كل هذه الاحتمالات يسقط الاستدلال .
أما قوله : ( وكان هذا الإنجيل منتشراً في زمن
بابياس (أسقف هيرابوليس) الذي شاهد يوحنا الرسول )
.
أقول هذا الكلام مردود ، لأن بابياس نفسه لم يعرف
هذا الإنجيل ، والدليل على ذلك روايته لموت يهوذا
الاسخريوطي التي تغاير وتناقض إنجيل متّى بشكل
صريح كما مر معنا ، فمتّى يصف موت يهوذا هكذا :
”
فطرح الفضة في الهيكل وانصرف.ثم مضى وخنق نفسه
“
متى 27 : 5 .
بينما بابياس يقول :
Judas walked about in this world a sad example
of impiety; for his body having swollen to such
an extent that he could not pass where a chariot
could pass easily, he was crushed by the
chariot, so that his bowels gushed out.
ولقد أصبح يهوذا مثال سيء على عدم التقوى في هذا
العالم , فلقد تضخّم جسده حتى أنّه لم يكن بمقدوره
المرور حيث يمكن أن تمرّ عربة حنطور بسهولة , ولقد
دُهس بعربة حنطور حتّى انسكبت أحشاؤه خارجاً .
( Fragments of Papias - chapter 3 )
فكيف يقول القس أن هذا الإنجيل كان منشراً في زمن
بابياس ، وبابياس نفسه لا يعرفه
؟
فلو عرفه ما خالفه في خبر موت يهوذا .
أما قول القس : ( كما شهد كثير من العلماء
النصاري الذين نبغوا في القرن الأول بأن هذا
الإنجيل هو إنجيل متى، واستشهدوا بأقواله الإلهية،
وسلَّمه السلف إلى الخلف ) .
فهذا تدليس كبير ، لا يليق برجل دين أن يصدر منه
ذلك ، فلا يوجد أحد من القرن الأول من شهد لإنجيل
متى ، لا بل لا يوجد أيّ دليل أنهم عرفوا هذا
الإنجيل أو سمعوا به ، ولم يرد قط أي قول عن أحد
من القرن الأول يذكر فيه إنجيل متى ، وأقصى ما
يمكن أن يستدل به القس منيس هو تلك العبارات التي
في رسائل آباء القرن الأول التي تتشابه مع بعض
نصوص إنجيل متّى ، ولقد رددنا عليها بما فيه
الكفاية ، فكيف يدّعي أن علماء الدين المسيحي في
القرن الأول شهدوا أنّ هذا الإنجيل هو إنجيل متى
؟
بصراحة القس يستغل جهل الكثيرين في هذا الجانب ،
وعلى رجل الدين أن يكون أميناً فيما يقدّمه من
معلومات .
أما باقي كلام القس عن علماء القرن الثاني وما
بعده ، فكلّه لا ينفع إن لم يكن له سند من القرن
الأول ، فإذا لم يخبرنا أهل القرن الأول عن هذا
الإنجيل، أيأتي بعدهم أناس ولدوا بعد موت متّى
بعشرات السنين ليخبرونا بكلام مرسل أنّ متى كتب
إنجيلاً ، فهذا مردود وباطل .
وهنا طرفة لطيفة ، وهو أنّ القس منيس عبد النور
يقول في معرض كلامه عن لغة إنجيل متى الأصلية : (
والأغلب أن فكرة كتابة متى لإنجيله باللغة العبرية
جاءت نتيجة ما اقتبسه المؤرخ يوسابيوس عن بابياس
أسقف هيرابوليس سنة 116م قال : كتب متى إنجيله
باللغة العبرية . غير أن بابياس لم يقل إنه رأى
بعينيه هذا الإنجيل باللغة العبرية ) .
فتأمل معي عزيزي القارئ قوله هذا ، فهو يشترط هنا
شرطاً حتى يكون كلام القديس بابياس صحيحاً ، وهو
أن يكون رآى الإنجيل بعينه !
بينما عند الكلام على هوية الكاتب يستدل باغناطيوس
وبوليكاربوس ورسالة برنابا ، ولكن الغريب أنه لم
يشترط أن يكون أغناطيوس وبوليكاربوس رأوه بأعينهم
يكتبه
؟
هل لاحظتم الإزدواجية في المعايير
؟
لمعرفة كاتب إنجيل متّى يتعلق بما هو أبعد من
البعيد ، ويكفي أن يكون فلان لمّح تلميحاً بعبارة
شبيهة بنص في إنجيل متى ليجعلها دليلا قاطعاً وحجة
دامغة على هوية الكاتب ، ولا يحتاج أن يكون فلان
رأى بعينه أم لم يرَ .
بينما القول أن لغة الكتاب هي العبرية شيء لا يعجب
القس فيحاول دفعه بالرغم من القول الصريح لبابياس
، وحجته أنه لم يره بعينه ..... هل تتعجب أيضاً
عزيزي القارئ مثلي من صنيع القس ، وهل تظن أنه
يفعل ذلك بغير قصد وبحسن نيّة
؟
أترك هذا الجواب لك .
عزيزي
القارئ ، كما ترى أن كاتب إنجيل متّى مجهول ، فكيف
يمكن للإنسان أن يؤمن بهذا الإنجيل كلام الله وهو
في الأصل لا يعلم كاتبه
؟
|